سيد محمد طنطاوي
204
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بالكتاب والسنة ، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة ، وأصل عظيم من أصولها ، وركن مشيد من أركانها ، وبه يرتفع سنامها ويكمل نظامها . وقال الإمام الغزالي : في هذه الآية بيان الإيجاب . فإن قوله : * ( ولْتَكُنْ ) * أمر . وظاهر الأمر الإيجاب ، وفيها بيان أن الفلاح منوط به . إذ حصر وقال : * ( وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * وفيها بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين وأنه إذا قام به البعض سقط الفرض عن الآخرين ، إذ لم يقل كونوا كلكم آمرين بالمعروف ، بل قال : * ( ولْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ) * وإن تقاعد عنه الخلق جميعا عم الإثم كافة القادرين عليه لا محالة « 1 » . هذا وقد وردت أحاديث متعددة في فضل الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وفي بيان العاقبة السيئة التي تترتب على ترك هذا الواجب ، ومن ذلك : ما رواه مسلم والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول : من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطيع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان . وروى الترمذي عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله . وروى الشيخان عن جرير بن عبد اللَّه قال : بايعت النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على السمع والطاعة فلقننى فيما استطعت والنصح لكل مسلم . وروى أبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي عن أبي بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - قال : يا أيها الناس إنكم تقرؤن هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وإني سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يقول « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم اللَّه بعقاب من عنده » « 2 » . وبعد أن أمر اللَّه - تعالى - بالمواظبة على الدعوة إلى الخير ، عقب ذلك بنهيهم عن التفرق والاختلاف فقال : * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) * . أي : ولا تكونوا أيها المؤمنون كأولئك اليهود والنصارى وغيرهم من الذين تفرقوا شيعا وأحزابا ، وصار كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ واختلفوا فيما بينهم اختلافا شنيعا ، وقد ترتب على ذلك أن كفر بعضهم بعضا ، وقاتل بعضهم بعضا ، وزعم كل فريق منهم أنه على الحق
--> ( 1 ) تفسير القاسمي ج 4 ص 921 . ( 2 ) هذه الأحاديث من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري ج 3 ص 223 وقد ذكر أحاديث أخرى في هذا الموضوع فارجع إليه إن شئت .